Tuesday, November 28, 2006

الشهيد الطفل محمد الدرة






الشهيد الطفل محمد الدرة

من منا لا يعرف رمز انتفاضة الاقصى
الذى اغتالتة الايدى الصهيونية الغادرة
امام اعين العالم اجمع بدون ان يحرك احدا ساكنا
بعد ان ماتت القلوب و الضمائر
استشهد محمد الدرة فى 30 ديسمبر 2000 م


متعلقات الشهيد

لعبة على شكل دبة
وهى اخر متعلقات الشهيد



"اطمئن يا أبي أنا بخير"
هذه كانت كلمات محمد الأخيرة لوالده
من يدري ربما كان يشير بهذه الكلمات
إلى أنه فعلا سيكون بخير؛ لأن عينيه لن تريا الاحتلال بعد الآن؟



محمد الدرة.. عصفورُ الجنة


لم يقدم اختراعًا، ولم يفعل ما فعله كثير من المشاهير، ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ولكنّ محمد الدرة أصبح في لحظة من اللحظات حديث العالم كله، من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
باستشهاده اختصر آلاف المشاهد والمآسي التي سجلها الصهاينة في حق الشعب الفلسطيني، وعرض بموته صورة حية لطبيعة العدو الصهيوني التي نسيها أو تناساها البعض، وليكون بذلك شاهدًا ودليلا آخر لأولئك الذين ما زالوا يتوهمون بأنه قد يكون سلام مع عدو يقتل ويغتال الأطفال والأحلام.

النشأة: في المخيم


في وسط مخيم البريج في قطاع غزة الذي تقطنه أغلبية ساحقة من اللاجئين، عاشت أسرة الشهيد محمد الدرة التي تعود في أصلها إلى مدينة الرملة، والتي احتلت وطرد أهلها منها عام 1948، وهي مكونة من أبيه وأمه وستة من الأبناء سواه هم إخوة محمد: إياد"14 سنة" في الصف الثاني الإعدادي، وأحمد "10 سنوات" في الصف الرابع الابتدائي، وآدم "9 سنوات" في الصف الثالث الابتدائي، ونور"7 سنوات" في الصف الأول الابتدائي،و بسمة "4 سنوات" في الروضة، وباسم " سنتين".
وتعيش الأسرة في بيت متواضع فارغ من كل شيء عدا البؤس والحرمان كما بقية البيوت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في كل مكان، استقبلتنا فيه سيدة في الثلاثينيات من عمرها تتشح بسواد لا يختلف عن ذلك الذي اكتنف المخيم بأكمله.. كانت عيناها داميتين ووجهها المغسول بالدموع يقص حكاية لاجئ ما زال يعيش نكبة تلو نكبة.. كانت تحتضن كتبًا مدرسية لطالب في الصف الخامس الابتدائي وتقول لنسوة أخريات كن يساعدنها في الوقوف على ساقيها المثقلتين: "طلب مني أن أساعده في حل أسئلة المدرسة، وغادر إلى أبيه لشراء السيارة بعد أن ألبسته ملابس تناسب السيارة الجديدة".
احتضنت أم محمد ما تبقى من أطفالها وقالت: " كان أكثرهم مشاكسة، أقربهم إلى قلبي.. الله يسامحه كان يهرب من المدرسة، ولكن وعدني هذه السنة أن يلتزم، وطلب مني أن أساعده في حل الواجب.. كل الجيران أحبوه، ويقولون: "يعوض الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل".
ولم يتسع بيت محمد الذي لا يتجاوز 50 مترًا مربعًا لأعداد الأمهات اللواتي أتين للوقوف إلى جانب أم محمد، ومع ذلك لم تستطع أي منهن دخول غرفة محمد الصغيرة أو استخدامها لاستقبال العزاء.. فكتبه وملابسه وصوره التي تزدان بها جدران الغرفة كانت أكبر من أن يحتملها قلب أو تنظر إليها أعين دون أن تنفطر دمًا.
ومن أمام باب غرفته قالت لنا خالته: "هنا كان ينام.. وهنا كان يأكل.. وهنا كان يدرس.. وهناك التقطنا له الصورة الأخيرة مع أخوته".
كانت الغرفة التي لا تتجاوز الثلاثة أمتار خالية تمامًا من أي مقعد أو مكتب للدراسة أو خزانة للملابس أو حتى سرير للنوم، فهي لم تحتوِ إلا على فُرُش صغيرة بالية، وعلى حقيبته المدرسية، وبضعة كتب وكراسات مدرسية تنتظر قلم محمد.

الطفل المشاكس

كان من المعروف أن محمدًا من الأولاد الأشقياء الذين يحبون بل يعشقون اللعب والبحر، "وكان دائمًا يحب الذهاب معي إلى البحر، وكان شجاعًا وجريئًا، ولا يعرف الكذب، وكان عنيدًا يهابه الأطفال في سنه، ومن هم أكبر منه سناً"، هكذا يقول عمه نائل ويضيف: "كان يحب الأولاد من جيله كثيرًا، ويحب أن يلعب معهم بشكل دائم، وكنت وعدته وهو في الصف الخامس أن آخذه معي إلى مصر، إذا نجح في دراسته، ولكن ليس له نصيب، فقد رسب في الصف الخامس، وهذا الرسوب غير كل حياته، فصار يقول لأمه: أنا أريد أن أقرأ، وأنا بدي أصير وأصير...إلخ ".
"إن محمدًا منذ ولادته كان "حِرِك " ونشيطًا ومختلفًا عن كل أخوته، وكان دائماً يحب الخروج واللعب مع أصدقائه، وكان يحب أكلات معينة ويطلبها ونحضرها له، وكان يحب المدرسة ويحب اللعب بالكرة، وكان عندما يعود من المدرسة يحب أن يركب على الدراجة، بل كان يتشاجر أحياناً هو وأخوه الكبير من أجل ركوب الدراجة، وكان أبوه يخاف عليه كثيرًا، ولا يحب أن يخرج بالدراجة بحكم أن بيتنا في المخيم على الطريق الرئيسي، وكان إذا منعه أبوه من الخروج، يخرج الدراجة من الشباك، ثم يخرج هو من نفس النافذة ليلعب في الشارع" هكذا تحدثت والدته عنه.

كانت أمنيته الشهادة

تقول والدته: "سبحان الله، كل حياته كانت ذكرى، وكل حركات محمد لم تكن حركات ابن دنيا، فقد طلب الشهادة قبل سنة، أي أيام أحداث نفق القدس، وكان يقول: نفسي أموت شهيدًا، وهذه المرة وقبل استشهاده بثلاثة أيام قال لي: يا أمي؛ الذي يذهب عند نتساريم وعند المستوطنين ويموت يكون شهيدًا ؟!" تقول والدته: "لم أرد عليه ساعتها، خفت؛ لأن ابني من النوعيات الجريئة، نعم هو صغير ما زال في الصف الخامس، ولكنه في نظري شاب ورجل، ومن الممكن أنه يذهب هناك، فكنت أخاف عليه كثيرًا، وأما آخر كلمة تحدثها معي فهي: إلى أين يريد أبي الذهاب؟ فقلت له: أبوك يريد الذهاب لشراء سيارة بدل التي بعناها. فسُرَّ وفرح، وكان طول نهار ذلك اليوم يذهب خلف أبيه أينما ذهب، ولم أعلم أنه خرج مع أبيه إلا بعد ساعة، حين سألت إخوته، فقالوا لي: إن محمدا خرج مع أبيه، فعندها اطمأننت عليه؛ لأنه شقي، وطالما هو مع أبيه فإذًا سيكون بخير".

الطفل الرجل!!

" لقد كان كالرجال في تصرفاته" هكذا قالت جدته أم هشام، مستذكرة أنه صمم في يوم من الأيام على منعها من قطع شجرة في منزلها،
وتولى المهمة بدلا عنها، فيما كان يستغل فترة الإجازة الصيفية في الذهاب مع أعمامه للعمل في ورشة لصناعة الألمونيوم.
وتضيف الجدة: "لقد كان شديد الطاعة رغم شقاوته، يحب المبادرة ويكره الأنانية؛ لذا كان محبوبًا من الجميع: الأهل، والأصدقاء، والجيران، إلا أن حب الله عز وجل فاق حب الجميع فاصطفاه عنده.. الله يرحمه".
بينما تقول جدته أم جمال: "إن الشهيد محمدا كان يمتلك حبًّا خاصًّا من الجميع؛ نظرًا لتعامله الحسن معهم، ربما لأنه كان يرغب في ترك ذكرى طيبة وحسنة له في نفوسهم!" وتضيف: "لقد كان متيقنًا من اقتراب انتهاء أجله، أصر على الذهاب مع والده إلى سوق السيارات في غزة وطلب بدلة جديدة بمناسبة زواج أحد أعمامه، إلا أنها كانت البدلة التي سيزف بها إلى الجنة".
وتضيف الجدة أم جمال: " كان مرحًا حتى اللحظات الأخيرة في حياته، يحب المزاح حتى عندما يتعلق الأمر بمصيره". وقد تمتع الشهيد محمد ورغم صغر سنه، بجرأة غير عادية.

الهواية والأصدقاء

كان محمد يهوى العبث بكل ما يقع تحت يديه من أدوات كهربائية، فيفككها ليعرف كنهها، وحول ذلك يقول عمه نائل: "لقد كان محمد طفلا غير عادي في الجرأة التي يتمتع بها، وكانت قدرته على التحمل كبيرة جداً خاصة عندما يحصل له ألم ما، ولديه عقلية أكبر من سنه، وذهنيته متفتحة، وأصحابه دائمًا أكبر من جيله، وكما يقولون كان -رحمه الله- "كثير غلبة"، وكان يستطيع تصليح ما يقع تحت يده من أدوات كهربائية ولعب وغيره، وكان أحلى الأماكن له البحر، وكذلك كان يحب أكل السمك، وكان له الكثير من الأصدقاء؛ حيث كان محبوبًا من الجميع ومن أصدقائه: مدحت عماد، محمود خليل العالول، سعيد الداموني، ضياء الدرة، علي أبو جبارة، ناجي جمال.
وفي مدرسة البريج الابتدائية التي كان يدرس فيها لمسنا بالفعل مدى المحبة التي كان يتمتع بها محمد بين زملائه في المدرسة، "محمد كثير الأصدقاء في المدرسة، وكان دائمًا بمثابة قائد هم وصاحب الكلمة عليهم" حسب قول شقيقه أحمد "10سنوات" وأكثر الأخوة قربًا
من محمد.
ولمسنا كذلك من خلال كراسة الرسم الخاصة بمحمد، والتي حملت على غلافها قبة الصخرة مدى العشق الذي كانت تحظى به قبة الصخرة والقدس لدى محمد، حتى إنه في هداياه في المناسبات المختلفة كان يختار لوحات ومجسمات قبة الصخرة -كما أخبرنا ذووه وأمه التي أضافت: "أهداني مجسمًا لقبة الصخرة في عيد الأم الفائت"-.

"عصفور في الجنة"

وأكثر ما أدهشنا كلمات قليلة نطق بها أحمد الشقيق الصغير لمحمد، عندما رد على سؤالنا: "أين أخوك محمد؟" فقال: "إنه في الجنة.. يا ريتني معه".
وعندما سألناه: "لماذا يتحدث الناس عن محمد؟" أجاب بكل ثقة وفخر: "لأنه مات من اليهود"، ورد على سؤال آخر: "اليهود بيقتلوا الفلسطينيين علشان القدس، والقدس عاصمة فلسطين"، إجابات صدرت بكل براءة عن الطفل "أحمد" المشهور بصدام.
ويبدو نور ذو الأعوام السبعة متأثرًا بكلام سمعه من والدته من قبل ويقول بكل بساطة: "اليهود قتلوا أخي محمدًا، لكنه ما مات، هو في الجنة بيلعب مع الطيور"، فيما تقول شقيقته بسمة ذات الأعوام الأربعة: "أنا صحيت محمد من النوم، أنا بحبه أكثر من البحر، ولما أكبر شوي بدي أروح لعنده".
وحول بسمة تقول والدة الشهيد: إنها في اليوم الذي استشهد فيه شقيقها محمد ألحت عليه لإيقاظه من نومه، وأخذت تحتضنه وتقبله، ربما أنها أدركت مسبقًا أنها المرة الأخيرة التي سترى فيها شقيقها محمد.
وفي الشارع أمام بيت الشهيد وقف أصدقاء محمد، وسارع أحدهم إلى التأكيد لنا وهو طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره على أن محمداً يقود سيارة جديدة في الجنة بدلا من تلك التي حرمه منها رصاص الاحتلال، وأضاف بعفوية وبعينين دامعتين: " إن اليهود قتلوه، وإن الله اختاره للجنة ".

الجريمة: القصة الكاملة والطريق إلى الجنة

"ما كنت أتوقع أن يحدث لي ما حدث (وخنقته العبرة) لكن هذا ما قدر الله لي ولولدي" هكذا تحدث والده جمال حول الجريمة وكيف حدثت؟ وكيف استشهد محمد؟ واللحظات الأخيرة في حياة الشهيد، والوالد "جمال" ما زال يتلقى العلاج في مستشفى مدينة الحسين الطبية في الأردن، وقد بدا عليه الإعياء الشديد، ولم يصدق أنه ما زال حيًّا بعد غارة القصف الصهيوني، ومقتل نجله محمد وهو يحتضنه ويحاول أن يذود عنه الرصاص الإسرائيلي من كل صوب، ويقول جمال: "لقد كنت أحبه كثيرًا ولم أكن أتصور أن أفقده بهذه الطريقة المؤلمة"، ثم يضيف: "كنت خارجًا من أجل الذهاب إلى سوق السيارات في مدينة غزة لشراء سيارة، وآثرت هذه المرة أن أصطحب محمدًا - 12عاما - وركبنا سيارة إلى غزة غير أننا عندما وصلنا مفترق الشهداء قرب مستوطنة نتساريم كانت الاشتباكات على أشدها بين المتظاهرين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية، فأخبرني سائق السيارة أنه لا يستطيع عبور الطريق خشية أن تصيبه رصاصة طائشة، وطلب من الركاب النزول فنزلنا فقررت العودة إلى منزلي، فأمسكت بيد ابني وحاولت المرور إلى الجانب الآخر من الشارع، لكن في منتصفه انهالت علينا زخات من الرصاص من البرج العسكري الإسرائيلي، فجررت ابني بسرعة إلى برميل كان موجودًا على حافة الطريق، واختبأت وراءه، وضممت ابني مخافة أن يصيبه الرصاص، لكن يبدو أن الجندي الإسرائيلي الموجود في البرج وجد أننا صيد سهل، أخذ يرمينا بحمم من الرصاص حتى إنني أخذت أردد الشهادتين، وأخذ ابني محمد يصرخ من الخوف والفزع الذي أصابه؛ لأن الرصاصات أخذت تقترب منه شيئًا فشيئًا.. أخذت أصرخ على الجنود الإسرائيليين أن توقفوا، لكنهم استمروا ثم رفعت يدي عاليتين من أجل أن أريهم أني لا أشكل عليهم خطرًا، غير أن الجندي الإسرائيلي عاجلني برصاص في يدي اليمنى في ذلك الوقت اتصلت عبر الهاتف النقال الذي كان معي بأحد الصحفيين، وطلبت منه أن يعمل على إرسال سيارة إلى المكان الذي نحن فيه لإنقاذنا، غير أن سيارة الاسعاف لم تستطع الوصول إلينا؛ لأن الاشتباكات كانت على أشدها، كما أن الجنود الإسرائيليين لم يتوقفوا عن إطلاق الرصاص على سيارات الإسعاف، حاولت الانسحاب من المكان مرة أخرى غير أنني لم أفلح؛ لأنني كنت أعلم أنني إذا ما رفعت رأسي فإن رصاصة بانتظاري، كان الشبان ينظرون إلي وإلى ابني ويصرخون، غير أن الرصاصات ازدادت كثافة وسرعان ما تلقيت رصاصة أخرى في يدي الأخرى، ابني الذي كنت أعمل المستحيل من أجل إبقائه بعيدًا عن مرمى الرصاص أخذ يواسيني ويحاول أن يخفف عني؛ لأنني كنت أنزف، رغم أنه كان يبكي من شدة الخوف ومن أزيز الرصاص الذي لم يصمت للحظة".

لا تخف يا أبي!!

وأضاف والد الشهيد محمد: "قال لي قبل استشهاده بلحظات: اطمئن يا أبي أنا بخير. ولوحت بيدي كثيرًا إلى الجنود بأن يوقفوا إطلاق النار وصرخت لأسمعهم: الولد مات.. الولد مات.. لكن دون جدوى" واستطرد بالقول: "كان يحاول التخفيف عني بالقول: لا تخف يا بابا احمِ حالك "أي نفسك". كان يلتصق بي وكنت أحاول إبعاده عن الرصاص، لكن رصاصة أصابته في ساقه، فصرخت بأعلى صوتي وبكيت، ولكن لا فائدة فحاول تهدئتي، وكانت آخر كلماته لي: " لا تخف يا بابا.. إجت رصاصه برجلي بيهمش.. المهم خبي حالك أنت".
ويضيف الدرة: "كنت أخشى اللحظة التي تخطف فيها رصاصة ابني مني، فأخذت أضمه إليّ غير أن الرصاصات عاجلته وألقته صريعًا بين يدي" مشيرًا إلى أن ابنه عندما أصيب قال له: يا أبت أنا أتحمل حتى تأتي سيارة الإسعاف. غير أن نزيف الدم كان سريعًا فلم يلبث أن فارق الحياة".
وقال: "لم أعرف ماذا أفعل؟ فلا أنا قادر على النهوض، ولا أنا قادر على فعل شيء لابني، ولم يطل التفكير بي كثيرًا؛ إذ سرعان ما تلقيت رصاصة أخرى في ظهري، ففقدت وعيي، وبعدها لم أستيقظ إلا وأنا في المستشفى".
هكذا كانت اللحظات الأخيرة من حياة الشهيد محمد الدرة، وتلك هي الكلمات الأخيرة لوالده: "اطمئن يا أبي أنا بخير" من كان يدري ربما يشير بهذه الكلمات إلى أنه فعلا سيكون بخير؛ لأن عينيه لن تريا الاحتلال بعد الآن؟